لماذا يصعب فهم ما يحدث داخل قطاع الفنتك العراقي؟

في معظم أسواق التكنولوجيا المالية حول العالم لا يحتاج المتابع إلى بذل جهد كبير لمعرفة ما يحدث داخل القطاع فالشركات تنشر نتائجها بشكل دوري والمؤسسات المالية تعلن عن مؤشرات الأداء والتقارير الفصلية والسنوية توفر صورة واضحة عن حجم النمو واتجاهات السوق بينما تتحول الشراكات والاستثمارات وإطلاق المنتجات الجديدة إلى أخبار متداولة بين الإعلام والمتابعين والمستثمرين
أما في العراق فإن الصورة تبدو مختلفة إلى حد كبير.
فعلى الرغم من التوسع الملحوظ في المدفوعات الرقمية وانتشار المحافظ الإلكترونية وزيادة الاعتماد على الخدمات المالية الرقمية لا يزال من الصعب أحياناً تكوين صورة واضحة ودقيقة عن حجم ما يحدث داخل القطاع.
وهنا يبرز سؤال يستحق النقاش:
هل المشكلة في قلة النشاط؟ أم في صعوبة الوصول إلى المعلومات؟
قطاع يتحرك... لكن بصمت
خلال السنوات الأخيرة شهد العراق تحولات مهمة في مجال التكنولوجيا المالية.
ازدادت أعداد المستخدمين.
توسعت خدمات الدفع الإلكتروني.
ارتفع عدد التجار الذين يقبلون المدفوعات الرقمية.
ودخلت خدمات ومنتجات جديدة إلى السوق.
لكن المفارقة أن حجم هذه التغيرات لا ينعكس دائماً على حجم المعلومات المتاحة للجمهور.
ففي كثير من الأحيان يسمع المتابع عن تطورات أو توسعات أو مشاريع جديدة من خلال أحاديث السوق أو التصريحات المتفرقة بينما تبقى البيانات التفصيلية محدودة أو غير متاحة بشكل منتظم.
والنتيجة أن القطاع يبدو أقل نشاطاً مما هو عليه فعلياً.
عندما تصبح البيانات أكثر أهمية من الأخبار
في الاقتصاد الحديث لا تُبنى الثقة على الإعلانات فقط.
بل تُبنى على المعلومات.
فعندما يرغب مستثمر أو شريك أو باحث أو حتى صحفي في فهم أي قطاع فإنه يبحث عن مؤشرات واضحة:
كم عدد المستخدمين؟
كم حجم العمليات؟
ما معدل النمو؟
ما حجم التوسع؟
ما هي الخطط المستقبلية؟
هذه الأسئلة تعتبر أمراً طبيعياً في كثير من الأسواق.
لكن الإجابات عليها لا تكون متاحة دائماً بالقدر الكافي داخل السوق العراقية.
وهنا تبدأ المشكلة.
فغياب البيانات لا يعني غياب النشاط لكنه يجعل قياس هذا النشاط أكثر صعوبة.
هل ما زالت ثقافة الإفصاح محدودة؟
من القضايا التي تستحق النقاش داخل قطاع الفنتك العراقي قضية الإفصاح المؤسسي.
ففي العديد من الأسواق تنشر الشركات بشكل دوري تقارير وأرقاماً وبيانات حول أدائها وتطور أعمالها.
ولا يُنظر إلى هذه المعلومات على أنها مجرد تفاصيل داخلية بل كجزء من بناء الثقة وتعزيز صورة الشركة أمام السوق.
أما في العراق فما زالت بعض الشركات والمؤسسات تتعامل بحذر شديد مع نشر الأرقام والمؤشرات التشغيلية.
وقد تكون لهذا الحذر أسباب مختلفة تتعلق بطبيعة السوق أو المنافسة أو الثقافة المؤسسية أو البيئة التنظيمية.
لكن النتيجة النهائية واحدة:
معلومات أقل تعني أخباراً أقل.
وأخبار أقل تعني صورة أقل وضوحاً عن القطاع.
هل تتحمل الشركات وحدها المسؤولية؟
الإجابة المختصرة: لا
فالمشهد أكثر تعقيداً من ذلك
فإلى جانب الشركات هناك عوامل أخرى تلعب دوراً مهما
منها محدودية الإعلام الاقتصادي المتخصص
وقلة الدراسات الدورية المستقلة
وضعف مراكز الأبحاث المتخصصة بالتكنولوجيا المالية
وقلة الفعاليات والمؤتمرات التي تكشف اتجاهات السوق بشكل منتظم
ولهذا فإن الحديث عن نقص المعلومات لا يجب أن يتحول إلى اتهام لطرف واحد بل إلى نقاش أوسع حول البيئة التي تنتج المعرفة الاقتصادية والمالية داخل البلاد
عندما يكون التغيير أكبر من التغطية
أحد التحديات الأساسية في قطاع الفنتك أن جزءاً كبيراً من التغيير يحدث بشكل تدريجي
فزيادة عدد المستخدمين بمئات الآلاف لا تتحول دائماً إلى عنوان صحفي.
وارتفاع عدد العمليات الرقمية لا يظهر بالضرورة كخبر يومي
وتغير سلوك المستهلكين يحتاج إلى وقت قبل أن يصبح واضحاً للجميع
ولهذا قد يكون حجم التغيير الفعلي داخل السوق أكبر بكثير من حجم التغطية الإعلامية التي يحصل عليها
لماذا يهم هذا الموضوع؟
لأن وضوح المعلومات ليس قضية إعلامية فقط.
بل قضية اقتصادية أيضا
فكلما كانت البيانات أكثر وضوحا أصبحت السوق أكثر جاذبية للاستثمار
وأصبح تقييم الفرص والمخاطر أكثر دقة
وأصبح من السهل على الشركات بناء الثقة مع العملاء والشركاء
كما أصبح من السهل على الإعلام نقل صورة أقرب إلى الواقع
الخلاصة
قد لا يكون السؤال الحقيقي اليوم:
أين أخبار الفنتك العراقي؟
بل:
لماذا يصعب الوصول إلى صورة كاملة لما يحدث داخله؟
فالقطاع يتحرك
والخدمات تتوسع
والتحول الرقمي مستمر
لكن بين ما يحدث فعلاً وما يصل إلى الجمهور ما زالت هناك فجوة معلوماتية واضحة
وربما يكون أحد أهم التحديات التي ستواجه قطاع الفنتك العراقي خلال السنوات القادمة ليس تطوير التكنولوجيا فقط بل تطوير ثقافة الإفصاح والشفافية وتبادل المعلومات
لأن الأسواق لا تنمو بالأموال والتقنيات وحدها بل تنمو أيضاً بالثقة والثقة تبدأ دائماً من المعلومة
