لماذا لا تعلن شركات الفنتك العراقية أرقامها؟

قبل سنوات كان نجاح أي شركة يُقاس بعدد فروعها أو حجم مكاتبها أما اليوم فقد أصبحت الشركات التقنية تتنافس على شيء مختلف تماماً؛ عدد المستخدمين حجم العمليات المالية عدد التجار وقيمة المدفوعات التي تمر عبر منصاتها
إذا دخلت إلى المواقع الرسمية أو البيانات الصحفية لكبرى شركات الفنتك العالمية ستجد أرقاما تتكرر باستمرار هذه الشركة تخدم 80 مليون مستخدم وتلك تجاوزت مليار عملية دفع سنوياً وأخرى تعلن أن عدد التجار لديها ارتفع بنسبة 25% خلال عام واحد
هذه الأرقام ليست مجرد مادة للتسويق بل أصبحت وسيلة لقياس النمو وبناء الثقة وجذب المستثمرين وحتى مساعدة العملاء على فهم حجم الشركة التي يتعاملون معها
لكن عندما ننظر إلى السوق العراقية نجد صورة مختلفة
لدينا شركات دفع إلكتروني ومحافظ رقمية وتطبيقات مالية ومنصات تجارة إلكترونية إلا أن كثيراً منها لا ينشر معلومات واضحة عن حجم أعماله لا نعرف عدد المستخدمين النشطين ولا عدد التجار ولا حجم العمليات ولا حتى معدل النمو السنوي
قد تكون هذه الأرقام موجودة داخل الشركة لكنها نادراً ما تُنشر للرأي العام
السؤال هنا ليس بدافع الفضول بل لأن الشفافية أصبحت جزءاً من صناعة الفنتك نفسها
فعندما يقرر تاجر اختيار شركة دفع أو عندما يفكر مستثمر بدخول السوق العراقية فإن أول ما يبحث عنه هو البيانات يريد أن يعرف من يقود السوق؟ من ينمو بسرعة؟ ومن يمتلك قاعدة مستخدمين أكبر؟
في الأسواق المتقدمة تنشر الشركات هذه المؤشرات بشكل دوري لأنها تعرف أن الأرقام أصبحت لغة يفهمها الجميع أما الاكتفاء بعبارات مثل نحن الأكبر أو نحن الأسرع نمواً دون بيانات تدعمها فلم يعد كافياً في عالم يعتمد على المعلومات
ومن زاوية أخرى فإن نشر الأرقام لا يخدم المستثمرين فقط بل يساعد السوق نفسه فعندما تتوافر بيانات واضحة يصبح من الممكن قياس تطور قطاع الفنتك العراقي عاماً بعد عام ومعرفة أثر السياسات الحكومية وقياس انتشار الدفع الإلكتروني وتحديد المجالات التي تحتاج إلى تطوير
قد يعتقد البعض أن الاحتفاظ بهذه المعلومات يمنح الشركة ميزة تنافسية لكن في المقابل قد يحرمها من بناء ثقة أكبر مع العملاء والشركاء الدوليين
ومن المهم الإشارة إلى أن بعض البيانات قد تكون حساسة أو تخضع لاعتبارات تنافسية وليس من الضروري أن تكشف الشركات عن كل تفاصيل أعمالها لكن نشر مؤشرات عامة مثل عدد المستخدمين أو عدد التجار أو حجم شبكة نقاط البيع أو النمو السنوي أصبح ممارسة معتادة لدى كثير من شركات التكنولوجيا المالية حول العالم
السوق العراقية تدخل اليوم مرحلة مختلفة فالمنافسة لم تعد تقتصر على تقديم خدمة دفع أو إطلاق تطبيق جديد بل أصبحت المنافسة أيضا على مستوى الشفافية وجودة المعلومات وقدرة الشركة على إقناع المستخدم بأنها تنمو وفق مؤشرات يمكن قياسها
وربما حان الوقت لأن تصبح التقارير الدورية جزءاً من ثقافة شركات الفنتك العراقية تماماً كما أصبحت جزءاً من ثقافة الشركات العالمية فالأرقام لا تخبرنا فقط بحجم الشركة بل تساعد على فهم اتجاه السوق وتشجع المنافسة الإيجابية وتمنح المستثمرين والباحثين والإعلام صورة أوضح عن مستقبل التكنولوجيا المالية في العراق
وفي النهاية يبقى السؤال مفتوحاً:
هل نشهد خلال السنوات القادمة شركات فنتك عراقية تنشر تقارير دورية عن أدائها ومؤشرات نموها أم ستبقى هذه الأرقام حبيسة الأدراج ولا يطّلع عليها إلا أصحابها؟
