لماذا لا يزال المستثمر العراقي يفضّل العقار على الشركات التقنية؟

إذا حصل مستثمر عراقي اليوم على مليون دولار إضافية، فأين سيضعها؟ في أغلب الحالات، ستكون الإجابة معروفة مسبقاً: أرض، مجمع سكني بناية تجارية أو عقار في منطقة واعدة
أما إذا اقترحت عليه استثمار المبلغ نفسه في شركة تقنية ناشئة، أو منصة رقمية أو مشروع يعتمد على البرمجيات والبيانات، فغالبا ستجد تردداً كبيرا وربما رفضاً مباشرا
وهنا يبرز سؤال مهم:
لماذا لا يزال رأس المال العراقي ينجذب إلى الطابوق والإسمنت أكثر من انجذابه إلى التكنولوجيا؟
وهل المشكلة في المستثمر نفسه، أم في البيئة التي تحيط بالاستثمار التقني داخل العراق؟
العقار مفهوم... أما التقنية فما زالت غامضة
المستثمر التقليدي يحب الأشياء التي يمكنه رؤيتها ولمسها.
العقار بالنسبة له واضح:
- قطعة أرض موجودة.
- بناية قائمة.
- إيجار شهري.
- أصل يمكن بيعه في أي وقت تقريباً.
أما الشركة التقنية فالوضع مختلف.
قد تكون قيمة الشركة كلها موجودة داخل:
- تطبيق.
- منصة.
- قاعدة بيانات.
- فريق عمل.
- فكرة قابلة للنمو.
وهنا يبدأ القلق.
لأن كثيراً من المستثمرين ما زالوا يجدون صعوبة في تقييم الأصول الرقمية مقارنة بالعقارات.
العقار في العراق ليس استثمارا فقط... بل ملاذ آمن
في دول كثيرة يتنافس المستثمرون على التكنولوجيا والابتكار
أما في العراق، فالعقار اكتسب خلال عقود طويلة صفة مختلفة:
ملاذ آمن
حتى في الفترات الصعبة، كان الكثيرون يرون أن الأرض أو البناية تحتفظ بقيمتها أكثر من المشاريع الأخرى.
ولهذا أصبحت ثقافة الاستثمار العقاري متجذرة داخل السوق العراقية.
المشكلة أن هذه الثقافة تجعل جزءاً كبيراً من رأس المال يذهب إلى الأصول الثابتة بدلاً من المشاريع الإنتاجية أو التقنية.
التكنولوجيا تحمل أرباحا أكبر لكنها تحمل مخاطر أكبر أيضا
الحقيقة التي لا يحب البعض سماعها هي أن شركة تقنية ناجحة قد تحقق عائداً يفوق عشرات العقارات.
لكن هناك فرق كبير:
العقار غالباً ينمو ببطء وبمخاطر أقل
أما الشركات التقنية فقد:
- تنجح بشكل هائل
- أو تفشل بالكامل
وهذا النوع من المخاطرة لا يزال غير مفضل لدى شريحة واسعة من المستثمرين العراقيين
خصوصاً في بيئة اقتصادية لا تزال تواجه تحديات متعددة
المشكلة ليست في الأموال بل في الثقة
كثيرون يعتقدون أن العراق يعاني من نقص رؤوس الأموال
لكن الواقع يشير إلى وجود سيولة كبيرة داخل السوق
المشكلة الحقيقية قد تكون في مكان آخر:
الثقة.
العديد من المستثمرين لا يثقون بأن البيئة الحالية قادرة على حماية استثمار تقني طويل الأمد
وعندما يقارن بين:
- عقار يمكن تأجيره غدا
- وشركة تقنية تحتاج سنوات للنمو
فغالباً يميل إلى الخيار الأول
الشركات التقنية العراقية تواجه معركة مختلفة
في كثير من الأسواق العالمية، تستطيع الشركات الناشئة الوصول إلى:
- صناديق استثمار.
- رؤوس أموال جريئة.
- حاضنات أعمال.
- مستثمرين متخصصين بالتكنولوجيا.
أما في العراق، فما زال عدد كبير من رواد الأعمال يعتمدون على:
- التمويل الذاتي.
- الشركاء.
- أو الاقتراض الشخصي.
وهذا يحد من قدرة الكثير من المشاريع على النمو السريع.
وربما لهذا السبب نرى أفكاراً جيدة تختفي قبل أن تصل إلى مرحلة النضج.
ماذا يخسر العراق؟
عندما يذهب أغلب رأس المال إلى العقار فقط، فإن الاقتصاد يخسر شيئا مهما:
الابتكار.
العقار يبني مباني.
أما الشركات التقنية فقد تبني:
- وظائف جديدة
- صادرات رقمية
- حلولاً مالية
- منصات إقليمية
- وشركات قادرة على المنافسة خارج الحدود
ولهذا فإن الدول التي أنتجت شركات تقنية عملاقة لم تعتمد على العقار وحده بل على الاستثمار في الأفكار والمخاطرة المدروسة
هل يتغير هذا الواقع؟
الجيل الجديد من المستثمرين يبدو أكثر انفتاحاً على التكنولوجيا مقارنة بالأجيال السابقة.
كما أن نجاح بعض المنصات الرقمية العراقية خلال السنوات الأخيرة بدأ يلفت الانتباه إلى أن الاقتصاد الرقمي ليس مجرد فكرة مستقبلية، بل سوق حقيقية تنمو أمام الجميع.
لكن التحول لن يحدث بسرعة.
لأن تغيير ثقافة استثمارية تراكمت لعقود يحتاج إلى وقت، وتجارب ناجحة، وبيئة أكثر دعماً للمشاريع التقنية.
الخلاصة
السؤال ليس لماذا يفضل المستثمر العراقي العقار.
فهذا الخيار مفهوم وله أسبابه التاريخية والاقتصادية.
السؤال الأهم هو:
هل يستطيع العراق بناء شركات تقنية كبيرة إذا بقي الجزء الأكبر من رأس المال يتجه نحو الأرض والبناء فقط؟
لأن الاقتصاد الحديث لا يُقاس بعدد الأبراج والمجمعات السكنية وحدها، بل أيضاً بعدد الشركات القادرة على الابتكار والتوسع وصناعة قيمة جديدة.
وربما يكون التحدي الحقيقي أمام العراق خلال السنوات المقبلة هو إيجاد توازن بين الاستثمار في ما هو ثابت... والاستثمار في ما قد يصنع المستقبل
