الفنتك والعمل الحر في العراق: تحرر مالي أم "عبودية رقمية" تحت رحمة الخوارزميات؟

هرباً من روتين الوظيفة التقليدية، يتجه آلاف الشباب العراقيين اليوم نحو العمل الحر (الفريلانس). سواء كان الشاب يبرمج نظاماً متكاملاً وتطبيقات تجارية، أو يضع استراتيجيات تسويقية حديثة، أو يصمم واجهات حضرية ومعمارية، باتت تطبيقات التكنولوجيا المالية (الفنتك) هي الرئة التي يتنفسون منها لاستلام مستحقاتهم. الوعود كانت وردية: استلم أرباحك بضغطة زر وكن مدير نفسك. لكن هل هذا هو الواقع الميداني؟
ما يحدث اليوم في كواليس هذا "التحرر الاقتصادي" ينذر بولادة نوع جديد من "العبودية الرقمية". الشاب العراقي الذي هرب من تحكم المدير التقليدي والبيروقراطية، وجد نفسه تحت رحمة "شروط وأحكام" معقدة تتغير بصمت، وخوارزميات لا تعرف لغة النقاش.
تخيل أن ينهي مبرمج أو مصمم تسليم مشروع بآلاف الدولارات، وبدلاً من استلام أتعابه بسلاسة، يتفاجأ بتجميد أمواله أو حجب الرصيد من قبل التطبيق المالي بحجة "التدقيق ومكافحة غسيل الأموال" دون أي إنذار مسبق. وعندما يلجأ لفك هذا القيد، يصطدم بخدمة عملاء روتينية تتركه معلقاً لأيام وأسابيع. أضف إلى ذلك العمولات المرتفعة والرسوم الخفية التي تستقطع من كل حركة تحويل، لتأكل من جهد وتعب هؤلاء المستقلين رويداً رويداً.
نحن اليوم أمام جيل جديد من "العمال الرقميين" الذين يبنون اقتصاديات حديثة في السوق العراقي، لكنهم يفتقرون لأبسط أشكال الحماية القانونية والاجتماعية التي تضمن حقوقهم أمام سطوة هذه المنصات.
شركات الفنتك المحلية مطالبة اليوم بحسم موقفها: إما أن تكون أداة حقيقية لتمكين الشباب وتسهيل أعمالهم عبر سياسات شفافة ودعم بشري حقيقي، أو أن تتحول تدريجياً إلى سجان رقمي يمتص أرباحهم ويتحكم بأرزاقهم بضغطة زر، مما سيدفع هذه العقول في النهاية للبحث عن بدائل مالية خارج حدود النظام الرقمي المحلي.
