هل يعرقل ضعف الإنترنت نمو الفنتك العراقي أكثر من القوانين؟

خلال السنوات الأخيرة، حاول العراق أن يقدم نفسه كواحد من الأسواق الصاعدة في مجال الفنتك والتحول الرقمي. المحافظ الإلكترونية تتوسع، أجهزة الـPOS تنتشر، تطبيقات التوصيل تدخل عالم الدفع، والمصارف بدأت تتحدث أكثر عن الخدمات الرقمية بدل الاكتفاء بالفروع التقليدية.
لكن خلف كل هذا المشهد، توجد مشكلة يعرفها المستخدم العراقي جيداً، وتعيش معه يومياً في البيت والشارع والمطعم والمتجر وحتى أثناء أبسط عملية دفع:
الإنترنت.
ورغم أن أغلب النقاشات الرسمية داخل قطاع الفنتك العراقي تركز على القوانين والتشريعات والتراخيص والاستثمارات، إلا أن المشكلة التي يواجهها المستخدم فعلياً قد تكون أبسط وأكثر إحراجاً للسوق كله:
كيف يمكن بناء اقتصاد رقمي بينما الاتصال نفسه غير مستقر؟
في العراق، قد تتوقف عملية دفع كاملة بسبب ضعف الشبكة، وقد يفشل طلب توصيل لأن التطبيق فقد الاتصال، وقد يقف طابور كامل داخل متجر فقط لأن جهاز الـPOS يحمّل.
وهنا تبدأ المشكلة الحقيقية.
لأن المستخدم لا يهتم إن كانت المشكلة من المصرف أو شركة الاتصالات أو التطبيق أو مزود الإنترنت.
هو يرى نتيجة واحدة فقط:
الخدمة لا تعمل كما يجب.
الفنتك العراقي يصطدم يوميا بالواقع التقني
الكثير من الشركات تتحدث اليوم عن:
- التحول الرقمي
- الاقتصاد غير النقدي
- مستقبل المدفوعات
- الخدمات الذكية
لكن الواقع اليومي داخل العراق لا يزال مختلفاً عن الصورة التسويقية التي يتم تقديمها.
في بعض الأحيان، تبدو تجربة الدفع الإلكتروني أبطأ من الكاش نفسه.
المستخدم العراقي يريد خدمة سريعة وواضحة ومستقرة.
لا يريد أن يعيد المحاولة ثلاث مرات حتى تنجح عملية الدفع، ولا يريد أن يسمع عبارة:
الشبكة ضعيفة حاول مرة ثانية.
ومع تكرار هذه التجارب، تبدأ الثقة بالتآكل تدريجياً.
وهذه نقطة حساسة جداً داخل أي سوق فنتك.
لأن الفنتك لا يعتمد فقط على وجود التطبيق أو البطاقة أو جهاز الدفع، بل يعتمد على شعور المستخدم بأن الخدمة يمكن الاعتماد عليها يومياً دون مشاكل.
المشكلة ليست داخل التطبيقات فقط
أحياناً يتم مهاجمة تطبيق معين أو شركة معينة عند حدوث أي خلل، لكن الحقيقة أن الأزمة أعمق من ذلك.
الفنتك العراقي اليوم مرتبط ببنية تحتية كاملة تعاني من مشاكل مزمنة:
- الإنترنت
- الكهرباء
- استقرار الشبكات
- ضغط الاستخدام
- جودة التغطية
- بطء الاستجابة
أي خلل صغير داخل هذه السلسلة قد يتحول مباشرة إلى تجربة سيئة للمستخدم.
وهذا ما يجعل بعض الخدمات الرقمية داخل العراق تبدو غير مستقرة حتى لو كانت الفكرة نفسها جيدة.
وفي بعض المناطق، لا يزال المستخدم يشعر أن الكاش أكثر أماناً وأقل تعقيداً من الدخول في تجربة قد تتوقف بسبب الإنترنت.
أجهزة الـPOS كشفت حجم المشكلة
واحدة من أكثر النقاط التي كشفت واقع البنية التحتية الرقمية في العراق هي أجهزة نقاط البيع.
الفكرة تبدو بسيطة:
بطاقة، جهاز، ثوانٍ قليلة، وتنتهي العملية.
لكن ما يحدث أحياناً مختلف تماماً.
داخل بعض المتاجر والمطاعم، قد تستغرق العملية وقتاً طويلاً، أو تفشل بالكامل، أو تتوقف بسبب ضعف الاتصال.
وفي أوقات الزخم، يتحول الدفع الإلكتروني من وسيلة لتسريع الخدمة إلى مصدر توتر للموظف والزبون معاً.
بعض أصحاب الأعمال بدأوا يتعاملون مع أجهزة الـPOS كخيار إضافي وليس أساسياً، ليس لأنهم ضد الدفع الإلكتروني، بل لأنهم لا يثقون دائماً باستقرار الخدمة.
وهذا أخطر من المشكلة القانونية نفسها.
لأن القوانين يمكن تعديلها بقرار، لكن فقدان ثقة المستخدم يحتاج سنوات لإصلاحه.
تطبيقات التوصيل دخلت هي الأخرى في الأزمة
حتى تطبيقات التوصيل التي أصبحت جزءاً يومياً من حياة شريحة كبيرة من العراقيين، تعتمد بالكامل تقريباً على جودة الاتصال.
السائق يحتاج الإنترنت من أجل:
- تحديد الموقع
- استلام الطلب
- تحديث الحالة
- التواصل
- تنفيذ الدفع
وأي ضعف في الشبكة قد ينعكس مباشرة على التجربة كلها.
المشكلة هنا أن المستخدم لا يفصل بين التطبيق والإنترنت.
إذا تأخر الطلب أو تعطلت عملية الدفع، فالنتيجة بالنسبة له واحدة:
الخدمة سيئة.
وهذا ما يجعل البنية التحتية الرقمية جزءاً أساسياً من مستقبل الفنتك العراقي، حتى لو لم يتم الحديث عنها بنفس مستوى الحديث عن الاستثمارات والتطبيقات الجديدة.
هل أصبح الإنترنت أضعف نقطة داخل مشروع التحول الرقمي؟
السؤال الذي بدأ يفرض نفسه تدريجياً داخل السوق العراقية:
هل المشكلة الحقيقية في الفنتك العراقي هي القوانين… أم البيئة التقنية نفسها؟
لأن أي حديث عن:
- مجتمع غير نقدي
- اقتصاد رقمي
- خدمات مالية ذكية
- تطبيقات متطورة
سيبقى محدود التأثير إذا كان المستخدم لا يستطيع إكمال عملية دفع مستقرة في كل مرة.
والأخطر أن بعض الشركات بدأت تبني خدمات متقدمة جداً فوق بنية تحتية لا تزال تعاني من مشاكل أساسية.
وهنا تظهر الفجوة بين الصورة الرقمية التي يتم الترويج لها، وبين التجربة الحقيقية التي يعيشها المستخدم يومياً.
الخلاصة
العراق يمتلك سوقاً ضخمة قادرة على النمو في مجال الفنتك، والمستخدم العراقي أصبح أكثر استعداداً لتجربة الخدمات الرقمية مقارنة بالسنوات الماضية.
لكن التوسع الحقيقي لن يعتمد فقط على عدد التطبيقات أو المحافظ أو أجهزة الـPOS المنتشرة.
بل على سؤال أبسط بكثير:
هل تعمل هذه الخدمات باستقرار فعلاً؟
لأن الاقتصاد الرقمي لا يُبنى بالإعلانات وحدها، ولا بعدد الأجهزة المنتشرة في الأسواق، بل ببنية تحتية تجعل المستخدم يثق أن الخدمة ستعمل في كل مرة يحتاجها فيها.
وربما لهذا السبب، لا يزال الكاش في نظر كثير من العراقيين أسرع وأكثر ضماناً من بعض الحلول الرقمية… حتى اليوم
